جنين:
الأحداث تسارعت هذه المرة بشكلٍ غير مسبوق. عدوانٌ إسرائيليٌ على مدينة جنين شمالي الضفة الغربية، استشهد خلاله خمسة فلسطينيين، ثم مقتل أربعة مستوطنين بعد يومٍ واحد، بعملية إطلاق نار استهدفت مستوطنة "عيلي" شمالي رام الله.
العملية التي قال الاحتلال إن منفّذيها هما "مهند شحادة وخالد صباح من قرية عوريف جنوبي نابلس"، كانت مفاجأةً بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي بكل تجهيزاته العسكرية، ولم تكن الصفعة الوحيدة التي طالت وجه حكومة نتنياهو مؤخرًا، ففي جنين، وأثناء العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، واجه الاحتلال مقاومةً متطورة الأساليب بدءًا من الحجارة، وليس انتهاءً بزرع العبوات الناسفة، الأمر الذي وصفه الإعلام العبري بـ"الفشل الأمني الجديد".
ووفق إحصائيات المراكز الحقوقية الفلسطينية، فقد ارتقى منذ مطلع العام الجاري 2013م، نحو 150 شهيدًا في مدنٍ فلسطينيةٍ مختلفة نفذت فيها قوات الاحتلال عمليات اقتحام.
واقعٌ وصفه المحلل السياسي الفلسطيني عاهد فروانة بأنه "تعبير عن حالة المقاومة المتصاعدة بالضفة الغربية. وقال لـ"نوى": "تحاول حكومة الاحتلال حسم الصراع، بعد أن اعتمدت الحكومات السابقة فكرة إدارة الصراع أو تقليصه، بشكلٍ يلغي وجود الشعب الفلسطيني وإرادته، ومن هنا كثفت عمليات الاقتحامات للمدن، وهدم البيوت، وتوسيع الاستيطان، دون أن تأخذ في اعتبارها احتمالية زيادة الأعمال المقاومة والرافضة لكل هذه الانتهاكات".
ووفق فروانة، فإن حكومة الاحتلال بعد ما شهدته من مقاومة قوية في جنين، ثم ما تلاها في عملية عيلي، تعيش حالة من التخبط بين أن تنفذ عملية عسكرية جديدة، أم تعتمد استمرار الاحتجاجات والاغتيالات والاعتقالات.
"وما يجري يؤشر إلى الخلافات العميقة داخل المؤسسة الأمنية للاحتلال، الذي انقسم بين رأي يتزعمه بن غفير وسموترتيش الذي خرج من موقع العملية ليطالب بشن عدوان واسع، ورأي آخر يمثله الشاباك يخشى من نتائج أخطر حال توسيع دائرة العدوان" يزيد، مكملًا: "إنهم اليوم يفضلون عمليات الاغتيال والاعتقالات؛ خاصةً وأن الولايات المتحدة المنشغلة بالحرب الروسية الأوكرانية تريد تبريد جبهة الشرق الأوسط، بينما اليمين المتطرف يبحث عن تصريحات فاقعة لإرضاء جمهوره اليميني، لا سيما يوسي داجان رئيس ما يسمى بمستوطنات الضفة".
ويجزم فروانة أن هذه الأحداث عمقت أزمة حكومة نتنياهو، التي وصلت إلى الحكم بزعم استعادة الأمن، "والآن ينخفض تأييده حسب أحدث استطلاعات الرأي إلى 30% مقابل 40% لجانتس، وتراجع الليكود من 32 مقعدًا إلى 24، لتهبط الصهيونية الدينية من 14 إلى 10 مقاعد نتيجة الفشل الداخلي، وحتى الفشل الخارجي في العلاقة مع الولايات المتحدة، وعدم القدرة على مواصلة ملف التطبيع" يعقب.
ويتوقع فروانة مزيدًا من التصعيد الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، خاصةً بالضفة الغربية والقدس، عبر عمليات واجتياحات، بالتزامن مع مقاومةٍ فلسطينيةٍ نوعية أيضًا، مشددًا على ضرورة توحيد الصف الفلسطيني بالحد الأدنى، لمخاطبة المجتمع الدولي ووضعه أمام مسؤولياته إزاء ما يحدث.
توافقه الرأي المحللة السياسية ريهام عودة، التي ترى أن المقاومة الفلسطينية أصبحت أكثر دقة وتخطيطًا، "بل يرتقي إلى مستوى المقاومة المسلحة المنظمة" تقول.
وتضيف: "تريد حكومة الاحتلال من خلال هذه العدوانات إخضاع المقاومة الفلسطينية وإنهاءها عبر تدمير بنيتها التحتية والسيطرة بالكامل على الضفة الغربية، لكن ما فاجأ إسرائيل وجود خلايا حية لا تستسلم أمام انتهاكات الاحتلال ومحاولاته السيطرة على الأرض عبر التوسع الاستيطاني الذي لا يتوقف".
ووفق عودة، فالعملية الأخيرة في جنين، وطبيعة مواجهة المقاومة لها، تسببت في هزة كبيرة داخل حكومة نتنياهو التي تعهدت بتوفير الحماية للمستوطنين، والسيطرة على الوضع الأمني بالضفة الغربية، "وها هو يفشل من جديد بشكلٍ هز ثقة الجمهور الإسرائيلي، واليميني على الأخص بقدرته على الوفاء بالتزاماته تجاههم".
وتضيف: "هناك صراعات داخل المؤسسة الأمنية نفسها، ففي حين يطالب بن غفير وسموترتيش بعملية عسكرية كبيرة، هناك تخوف من باقي أعضاء الحكومة من ذلك، أما نتنياهو يحاول إمساك العصى من المنتصف، عبر عمليات عسكرية محدود"ة.
وكما فروانة توقعت تركز العدوان الإسرائيلي واستمراره في الضفة الغربية، "لا سيما في نابلس وجنين"، ناهيكم عن تكثيف الاعتقالات والاجتياحات، مستبعدةً عدوانًا واسعًا على غزة "إلا من بعض جولات التصعيد" تختم.
























